السبت، 19 أكتوبر، 2013

ليالي فيروز الحزينة 1 - كيفك انت


المشهد يبدأ كالتالي .. في مطار ما ، أنتظر ركوب طائرتي العائدة الي مصر يوم إعلان الانقلاب 3 يوليو .. تتأخر الطائرة لأربع ساعات وأنا في سباق محموم مع الانترنت في انتظار بيان الجيش ، غير أن البيان لم يقال الا بعد ركوب الطائرة ربما بساعة .. أصل الي أرض الوطن فيتحدث كابتن الطائرة الي الركاب " وصلنا الآن الي مطار القاهرة .. درجة الحرارة بالخارج كذا والساعة الان التاسعة مساء " ثم يتوقف لثواني ويعود فيقول " حمدلله عالسلامة يا جماعة وصولكم مصر الجديدة .. مبروك علينا كلنا رجوعنا لمصر ورجوع مصر لينا .. احنا دلوقتي في مصر الجديدة اللي رجعتلنا " يقولها بفرحة تظهر في نغمة صوته ..
-
المشهد الثاني بعد الانقلاب بشهرين .. في مطار القاهرة ، مسافراً خارج البلد لا أعرف هل أتمنى العودة لها سريعاً أم لا .. لأول مرة يختلط علي ذلك الشعور .. في السابق كنت لا أطيق فكرة البقاء في الخارج .. اليوم أصبح الأمر مربك ومحير ونسبي ومقبول وجيد في آن واحد .. في الطابور الخاص للمصريين فقط ، يقف شاب في الثلاثينات وتقف خلفه سيده معها 3 ابناء .. يأتي دوره فيسمح للسيدة ان تأخذ دوره .. فجأة يصرخ الظابط "انت ياله هتجامل .. هتجاملها على حسابنا .. فاكر نفسك في قهوة ياله انت .. طب غور بقى ارجع في اخر الطابور من اوله " فجأة يتطوع ظابط آخر بالقبض على ذلك الشاب سائلا الباشا الظباط ماله دا يا باشا ؟ ويأتي الرد صاعقا .. دا مستفز .. يتم القبض على الشاب وايداعه بمكتب التحريات !!! هكذا ببساطة وأنا في حالة ذهول من كل ما حصل لا أفهم غير شئ واحد انهم ينتقموا من المصريين كلهم  .. في تلك اللحظة تحديدا ادرك كلام الكابتن .. إن فعلا مصر رجعتلهم .. مصر الجديدة ! وتتغير قناعاتي بنسبة عن البقاء في الخارج !
-
في الطائرة أستمع الي فيروز .. لا أعرف  كيف تعلمت فيروز الغناء ما أتخيله أنها وجدت نفسها تغني .. هكذا بدون مقدمات .. فيروز  التي يملأ صوتها كل المشاعر النسبية والمترددة والمتأججة التي تتناسب مع كل حالاتي النفسية المتقلبة والمتجددة والمضطربة والمفعمة بالصمت .. لا أعرف تحديداً ماذا كانت تريد فيروز أن تقول في أغنية كيفك أنت ! هل كانت تعاني وحدة وغربة وقهر في زمن لم اعيشه حاولت فيه الهرب الي السؤال عن الاحبه .. لعل احوال الاحبة تفضفض عن واقع مؤلم تعيشه بطلة تلك الاغنية .. كيفك إنت ؟
لأن السؤال لم يكن عن شئ يخصها أو يربطها به .. لم يكن هل مازال يحبها أم لا .. لم يكن عن احتمالية رجوعه او انتفاء احلام العودة .. السؤال لم يكن به أي مصلحة .. فقط كان سؤال لله .. محاولة للاطمئنان في وقت ربما فقدت فيه الاطمئنان ! فقط السؤال كان كيفك أنت ؟ ولا شئ آخر
-
وانا أسافر هذه المرة كانت تشعر أمي أنني قد لا أعود .. أو انني قد أعود سريعا لكن محملا بقرارات تفضي برحيلي الحتمي بلا عودة .. لكن المشكلة لا تكمن أبداً فيما يخصني ولكن في الذين رحلوا .. الذين رحلوا وتركونا نعاني مرارة تلك الايام الذين استشهدوا وتركونا وحدنا والذين هاجروا بحثاً عن مخرج لن يتسع ابداً للجميع .. ولأن لكل هؤلاء الذين رحلوا أمهات يتسائلن تماما كما تتسائل امي .. أو يتحسرن لزم السؤال لله كيفك إنت ؟
-
هل كانت تدرك فيروز وهي تغني تلك الاغنية أن الدنيا هتلف تلف ونغنيها كلنا ..
بتذكر أخر مرة شفتك سنتا
بتذكر وقتا أخر كلمة قلتا
و ما عدت شفتك و هلق شفتك
كيفك أنت ملا أنت
ولأن الذكريات عادة ما تنبض بالحياة فلعل بطلة الاغنية هنا كانت تشبهنا او ربما نحن نشبهها في البحث عن الذكريات .. لأن الذكريات وحدها تبقى .. هل تعرفين أنني لم أعد أسمع فيروز كما كنت أسمعها معك في السيارة .. في المرة الاخيرة التي كنا فيها سويا طلبت منك تشغلي فيروز .. لكنك تشاغلتي بالطريق .. ربما لأننا كنا في الطريق للمطار ولا تريدي أن يكون السفر وفيروز معاً لا أعرف هل أردتي أن تحوشي فيروز للأوقات الجيدة التي لا يوجد فيها وداع ولا تكبلنا فيها مرارة الذكريات .. أم أردتي الا تأخذني فيروز منك ولو للحظات وأنت تحوشيني قبل الرحيل .. لكن الاكيد أنني كنت أحوش لحظاتي الأخيرة معك بأغاني فيروز .. لأني سأسافر ولا أجدك لكني سأسمع فيروز كثيرا لأذكرك .. أو ربما لأني كنت ادرك جيداً أن الامور ستتغير بعد هذا الرحيل .. هل تعرفين أنها بالفعل تغيرت ووصلت فوجدت الكابتن يرحب بنا في مصر جديدة لا أعرفها !!
-

كيفك قال و عم بيقولو صار عندك ولاد
أنا و الله كنت مفكرتك براة البلاد
شو بدي بالبلاد الله يخلي الولاد
ويبدو أن فيروز ملت السؤال عنه لفترة لدرجة أن الزمن فات .. لكن كالعادة القهر يتكرر .. والالم كذلك .. فلا يبقى لنا الا الاستئناس بالاحبة .. لكن المؤلم انها عندما عادت لتسأل عنه كانت كل الاحتمالات تبعده أكثر عنها وربما عن الوطن وعن العائلة .. صار عنده ولاد او اصبح خارج البلد بلا عودة !! يا ربي كم في هذا المقطع من ألم ممتد .. في أشد اللحظات ظلمة تبحث عن ذكرى قديمة بحبيب لم تراه منذ زمن ، تتعلق بأي محاولة للنور من خلال معرفة اخباره وأشد ما تتمنى ان يكون مسافر بالخارج فيكون هناك مجرد احتمال ضعيف أن يعود .. لكن الالم يكمن في التفاصيل .. في كونه تغرب .. ومن يسافر يتغير ، يفقد الكثير ، يصبح عادي ، يتزوج ويصير عنده أولاد .. لذلك حتى هذا الاحتمال الذي كانت تمنى نفسها به اختفى والاصعب انها لا تقدر مع عزة نفسها سوى ان تدعو للاولاد .. الله يخلى الولاد !! الم أقل لكم أنها تشبهنا تمام الشبه !
-

بتذكر اخر مرة شو قلتلي
بدك ضلي بدك فيكي تفلي
زعلت بوقتا و ما حللتا
أنو انت هيدا انت
بترجع عراسي رغم العيال و الناس
إنتا الاساسي و بحبك بالأساس
لكن لأن كل الاحتمالات تموت ولأن لا شئ يبقى فالبرغم من كل شئ .. وبالرغم من عزة النفس والظروف والمجتمع ، إلا أن البحث عن فرصة للعيش مع أشخاص نحبهم ولو ليوم واحد يظل مطلب أخير قبل الموت في ظل ذلك القهر اليومي المعتاد .. لذلك تقرر  في النهاية أن تستسلم لأي احتمالات للحياة .. ومع الألم تدرك فجاة بحكمة الزمن ما لم تفهمه زمان في سطوة الشباب .. تفهم فجأة وتقبل الاعذار وتبرر أي شئ للحبيب .. فقط كل ما تتمناه الان هو أن يرجع على راسها رغم العيال والناس .. لماذا أضافت الناس للعيال ؟!! ظل ذلك الامر يؤرقني .. كان يكفي رغم عياله .. لكن لأن الناس أشد قسوة من كل العذابات .. الناس هم العذاب!! لذلك نقرر في النهاية أن نستسلم فقط للاساسي في حياتنا .. الاحباء .. الاصدقاء .. الاهل . فقط لنحظى بفرصة أخرى للحياة .. أو لم أقل لكِ أن فيروز بالرغم من كل ما تحمل من مشاعر الا انها تلائمني تماماً .. تلائم ذلك الحزن العميق الذي يفصلني عنك وعن أمي وعن الوطن حتى وأنا بالقرب منكم جميعاً يظل الحزن يغلفني تماماً كالاستماع لفيروز ! .

هناك تعليق واحد:

يا مراكبي يقول...

يقولون أن الخبرة هي "المشط" الذي تمنحه لك الحياة عندما تصير أصلع!

مثلما كنت أرى أن 30 يونيو قادم لا محالة، أتدري لماذا؟ كان الإخوان يدفعوننا وأنفسهم معاً نحو ذلك المصير دفعاً مُتواصلاً بأفعالهم وطريقتهم التصادمية وعدم المهادنة وعدم التنازُل و ...

المهم .. الخبرة هي أن ترى الموقف فتستنتج ما سيليه من أحداث من واقع ما رأيت ما يماثله قبل ذلك، وهكذا كل أغاني فيروز، تمنحك خُلاصة التجربة الحياتية بين الناس والعاشقين والمُحبين

وفي النهاية .. لا يبق لنا سوى الألم .. نعتصره ويعتصرنا